المدرسة وبناء مسارات المتعلم في الحياة

كتبه : رجب بن علي العويسي

في ظل التحولات الحاصلة في منظومة تعلم الطلبة والغايات المرتبطة بها، يأتي الحديث عن دور أعمق وأكثر تفصيلا للمدرسة في تسجيل وإعادة ترتيب الذاكرة الحضارية للمتعلم ، بعد انتقاله لمراحل متقدمة في حياته ، في ظل ما وفرته التقنية ومجتمع التكنولوجيا وما تتمتع به المدرسة من وجود بيئات نوعية ومقومات تعليمية وطبيعة تفاعلية مرتبطة بطبيعة المهمة التي تقوم في المدرسة في حياة المجتمعات.

القناعات التي تتولد لدى الفرد حول جوانب معينة في حياته سواء كانت سلبية أو إيجابية ، إنما تتشكل في ظل التراكمات والمواقف التي عايشها في فترات سابقة، وأصبحت مواقفه في الحياة اليومية بعد تخرجه والتحاقه بالعمل ، مرتبطة بنمط السلوك الذي تعلمه في المدرسة أو الذكريات التي تخلدت لديه على مر السنين. فأصبحت المدرسة تؤدي اليوم دورا تطويريا في حياة الطالب لم يقتصر على مجرد الإشباع المعرفي، بل ارتبط بإشباع عاطفي عماده الحب والتآلف والتعاون وسلوك التقدير والشعور بوجوده كمتعلم له حق المشاركة واختيار طريقة تعلمه والأسلوب الذي يناسبه وتعدى هذا الجانب إلى بناء فكر المتعلم وقناعاته وثقافته واتجاهاته وميوله واستعداداته.

وإذا كان للمدرسة هذا الدور المعزز لروح الحياة النابضة بالحيوية والابتكار والرقي في حياة المتعلم، فإن ذلك يعني أن يتحول منطق السلوك الذي يتم داخل المدرسة ليعزز من مستوى الانسجام والترابط والفهم والتمازج مع ما يفكر فيه المتعلم وجانب الذوق والمشاعر لديه ، فتُربَّي فيه جوانب المسؤولية ونمط الاعتدال والتوازن والفهم المعمق لواقع الحياة.

لقد أظهرت التجربة أن للمدرسة دورا في بناء مسارات واضحة في حياة المتعلم، فهي تحدد نمط توظيف ما تعلمه في حياته ، فعندما يتعلم فيها الطالب معاني المسؤولية وحسن التعلم واغتنام الفرص والنظام والجد والاجتهاد والمثابرة والاكتشاف وغيرها، بأسلوب يتوافق مع ذاته ويتناسب مع مستوى تفكيره ، ويتناغم مع جانب الشعور والذوق وجماليات الحياة لديه ومستوى الحدس الذي يمتلكه ، وبشكل تراعى فيه الأمزجة والظروف النفسية والمتغيرات التي يعيشها المتعلم في وقته، فإنها سوف تضعه في مرحلة الإحساس بقيمة المنجز من أجله فيتقبله برحابة صدر وشغف نفس يستفيد منها كموجهات في حياته المهنية القادمة ، فتتكون لديه الاتجاهات الإيجابية نحو المدرسة كعامل إيجابي مؤثر في حياته ، وما قامت به بشأن تشكيل شخصيته وبناء قدراته، لتصبح ذاكرة إيجابية له يعكسها على بنيه من بعده وأجيال الوطن القادمة، وهو أمر ينبغي أن تعيه المدرسة في طبيعة الممارسة ونوعية السلوك الموجه نحو المتعلمين ، وما تمنحه لهم من فرص للتواصل وإثبات الجدارة وترك بصمات لهم في واقع عمل المدرسة وتعميق مفهوم أعمق للنجاح والتميز ، وقدرة المدرسة على تعزيز جوانب الذوق ولمسات الجمال العفوي وفتح آفاق أكبر للمتعلمين في جعل بيئتها التنظيمية حياة تنقلهم إلى عالم التفاعل مع الآخر والتصالح مع الذات، وترقية الخطاب التعليمي الموجه للمتعلم وما يحمله في ذاته من عوامل التحول، وأن تبرز الممارسة التعليمية ذلك في طبيعة القرار المدرسي ومراعاته للكثير من الجوانب النفسية والقدرات ومستوى الجاهزية والاستعداد .

إن المدرسة في ظل هذا المعنى محطات استثنائية في حياة المتعلم لتشكيل مستقبله القادم وهو يتربع على رأس المسؤوليات كأبٍ أو أمٍ أو موظف أو مسؤول أو صاحب مؤسسة أو غيرها. إن مسؤوليتنا جميعا أن نضع لهذا التحول لمساته في عمل المدرسة ونقربه من واقع المتعلم وتأصيله في برنامجها التعليمي.

اضف تعليق