الصيحات الشبابية المميتة وغير الصحية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج لها

كتبته: كيبميبرلي ليونارد

ترجمه : إبراهيم العزري

يقول الخبراء أن السبب في قيام المراهقين برفع محتوىً يصوِّرُ تلذذهم بإيذاء أنفسهم –بجرحِ المِعصم مثلا- هو بحثهم عن ما يواسيهم، وهو أمر يشجع على تقبل هذه الظاهرة مع مرور الوقت لتصبح صيحات شبابية رائجة.

وقد اجتاحت هذه الصيحات أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شعبية كالإنستجرام وتمبلر منددة بخطرٍ جسيم. فبالرغم من الجهود الذي تبذلها تلك المواقع للحد من دسامة وفضاعة المحتوى الذي يطغى عليه “السلوك العدواني” المرفوع عليها، إلا أن هذا النوع من المنشورات آخذٌ في الازدياد. فقد قامت هذه المواقع بسنِّ سياسات للتحكم بالصور والمنشورات التي يرفعها المستخدمون التي تدعو إلى تمجيد وتعظيم الانتحار، وجرح النفس بأدوات حادة، ومختلف اضطرابات الأكل كفقدان الشهية والشّرّه المَرَضي. لكن هذا لم يضع حدًا بعدُ لهذه الظاهرة؛ فمحركات البحث تسهل عملية الوصول لمثل هذا المحتوى بكبسة زر!

وتنتشر مثل هذه الصيحات المميتة بين المراهقين بسرعة فائقة بغرض التقليد لا أكثر. هذا ما يؤكده خبراء مواقع التواصل الاجتماعي أيضا. وهذا ما أشار إليه جيمسون مونرو جونيور، المدير التنفيذي لأكاديمية نيوبورت وهي مؤسسة تُعنى بمعالجة مشاكل المراهقين والبالغين، معلقًا بقوله بأنه قد لاحظ في السنوات الخمس المنصرمة أن انتشار تلك الظاهرة لا يزال على حاله، وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، هذا وإن لم تكن آخذة بالازدياد أصلا! ويضيفُ “مونرو” في تعليقه على هذه الظاهرة قائلا: “إن المراهقين -الذين تخالجهم مشاعر العزلة وحقيقة أنهم مختلفون عن غيرهم- يبحثون عن أمثالهم ممن يشاركونهم تلك المشاعر، وهي محاولة لجعل سلوكياتهم العدوانية مُتَقَبَّلة من الغير. هذا ما يخفف أيضا من آلامهم. لكن حقيقة الأمر أن سلوكهم هذا يدل على أنهم في حاجة للمساعدة”.

إن هذه الظاهرة ليست بالجديدة على عالم الإنترنت، ولطالما أصبح أولئك الذين يعانون من اضطرابات في الأكل أو في أجهزتهم الهضمية مصدر إلهام لغيرهم، وأصبحت النحافة الشديدة حد الموت صيحة بين المراهقين، وشجعت الكثيرين على التهرب من العلاج.

إن كنتم تجدون هذا غريبا، فالإنترنت يعجُّ بآلاف الصيحات الشبابية المضرة؛ ففي شهر أبريل من هذا العام قام مراهقون برفع صورهم وهم يقومون بتحدٍ يُدعى بـ Kylie Jenner Challenge. “كايلي جينير” هي ممثلة وإحدى شخصيات تلفزيون الواقع الأمريكي، تتميز بجمال شفتيها المنتفختين وهي بعمر الـ17. باستخدام كوبٍ زجاجي يوضع على الفم، يقوم الشخص بشفط الهواء للداخل باستخدام الشفتين حتى يضغط الكوب عليهما ويلتصق بالفم، ويعطي شفاها بارزة تماما كشِفاهِ الممثلة. تكمن خطورة هذا التحدي في أن الكوب الزجاجي معرض للانكسار بفعل الضغط أثناء شفط الهواء مسببا كدمات خطيرة، وأضرار جسيمة بأغشية الشفتين.

وها هي مقاطع فيديو شبابية كثيرة تنتشر لتحد متهور آخر، يُدعى بـ “Cinnamon Challenge”، أو “تحدي القرفة”، يقوم فيها الشخص بتجرع ملعقة كاملة من القرفة المطحونة في غضون 60 ثانية دون أن يقوم بشرب أي شيء عليها، ويعد هذا التحدي مميتا نظرا لتأثيره الخطير على الرئتين.

أما “جيمي هاورد”، المتخصصة في علم النفس السريري، فتخبرنا بأن مرضاها يقولون أنهم وجدوا مواقع متخصصة تحتوي على تعليمات عن كيفية إيذاء النفس بطرق لا تؤدي للموت، والمفارقة الأكبر أن بعض تلك المواقع تحذر المستخدمين بعبارة “لا تفعلوا هذا في المنزل!” في حين أنها تشرح خطوات مفصلة لإحدى الصيحات!

صحيح أنه كما ذكرنا سابقا بأن مواقع معروفة كالفيسبوك، والانستاجرام، وتويتر، ويوتيوب، وتمبلر، وبينتريست قد نصَّت في “سياسات الاستخدام” الخاصة بها بأنها تمنع رفع أي محتوى يحرض على إيذاء النفس، إلا أن هذه المواقع لا تتخذ أية قرارات إلا بعد أن يُنشر المحتوى. وصحيحٌ أن موظفي هذه المواقع يقومون بمراقبة ما يُنشر، لكن اعتمادهم الكبير يتوقف على حالات الإبلاغ عن المحتوى غير اللائق من المستخدمين الآخرين.

حتى مع وجود خاصية الوسم (الهاشتاج) التي تمكن من فلترة المحتويات، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن عملية الرقابة على المواقع أصبحت أسهل، وهذا ما أكدت عليه “هاورد” -طبيبة علم النفس السريري- من قيام بعض المراهقين بالمراوغة وابتكار وسومهم الخاصة لكي يصلوا لتلك المحتويات الممنوعة في حالة حجب بعض الوسوم المضرة. “هذه هي المشكلة – إن مراهقي اليوم ولدوا وترعرعوا بوجود الإنترنت، وصار استخدامه فطرة فيهم!”

كما يمكن استخدام أداة “الوسم” في الترويج لأرقام الطوارئ، وأرقام مؤسسات تعنى بالصحة النفسية، وكذلك التوعية بمخاطر هذا السلوكيات العدوانية اتجاه النفس، وهذا ما يجعل عملية حجب وحظر تلك الوسوم غير مجدية أيضا في بعض حالات الوسوم الأكثر رواجا بين المراهقين.

وتعويضا عن ذلك، تقوم بعض مواقع التواصل الاجتماعي بعرض المساعدة الفورية التلقائية على المستخدمين. فعلى سبيل المثال – إن قمت بكتابة كلمة “cutting” باللغة الإنجليزية، تظهر رسالة فورية تسأل المستخدم “Everything Okay?” أو “أَكُلُّ شيءٍ على ما يرام؟” ويقوم بتوفير رقم خط ساخن له لطلب المساعدة أيا كانت، إلى جانب توفير روابط إلكترونية أخرى تقوده إلى التواصل مع المؤسسات المعنية بالمساعدة.

لا توجد إحصائيات وأرقام كافية عن مدى مساهمة شبكة الإنترنت في تفاقم هذه الظاهرة، لكن “هاورد” موقنة بأن الشبكة العنكبوتية ساعدت على رفع مستوى تقبل المستخدمين لها، وتقول بأنها دائما ما تنصح مرضاها – معظمهم من الإناث- بضرورة مناقشة مشاكلهم مع المختصين وخبراء الإرشاد النفسي، وعدم مناقشة تلك الصيحات والترويج لها مع أقرانهم. وتضيف “هاورد”: “حتى في عصور ما قبل الإنترنت، تنتشر أفكار الناس إذا ما تناقلوها في جماعات، وهذا ما يدعوني للتأكد بأن الرابط بين الإنترنت وتفاقم الظواهر الشبابية غير الصحية لهو رابط منطقي، وفي محله”

المصدر : (اضغط هنا)

اضف تعليق