استيراد التعليم

بقلم: محمد هشام ابو القمبز

لا أجد حرجاً في الحديث عن الوضع المتدني للتعليم في الوطن العربي، والذي وصل إلى مستوى لا ينبغي تجاهله، وأصبحت نتائجه ظاهرة في نتائج الثانوية العامة المتدنية، وارتفاع معدلات التسرب من المدارس وغيرها من المشاكل التي لا حصر لها.

لا أريد الحديث عن المشاكل بحد ذاتها أو الأسباب التي ساهمت في انتشارها، أو حتى النتائج التي أصبحت ظاهرة شائعة، ولكن هذه المرة سأتحدث بلسان آخر، سأتكلم بنظرة تنموية فاحصة، فعملي في التنمية علمني أن أكون عمليا وأفكر في الحلول أكثر من التفكير في جوهر المشكلة، سأحاول جاهداً طرح الحلول العملية التي يمكن استعمالها بكل سهولة، البعض منها مجرب والبعض الآخر قابل للتطبيق.

 “مبادرة “مدرسة تفكر… وطن يتعلم”

هناك تجارب تستحق الوقوف عندها وأخذ العبرة منها، في جولاتي التي أحاول فيها متابعة التجارب التنموية الناجحة وجدت ضالتي في تجربة سنغافورة في التعليم، فكانت هناك مبادرة لتطوير التعليم من رئيس الوزراء السنغافوري جوه شوك تونغ بعنوان ” مدرسة تفكر… وطن يتعلم” التي تركز على دمج مهارات التفكير الناقد في التعليم بالإضافة إلى إعادة تصميم وسائل القياس والتقييم لتقيس مدى قدرة المتعلم على استيعاب وتطبيق وتطوير ما تعلمه، لا على قدرته على الحفظ والتذكر والاستظهار كما كان يحدث في السابق، والمتابع للنظام التعليمي في سنغافورة  يجده من أفضل النظم التعليمية على مستوى العالم، كما حقق طلابها أكثر من مرة مراكز متقدمة في مسابقات (أولمبياد) العلوم والرياضيات العالمية، قمنا بدراسة التجربة باستفاضة لدرجة أننا خرجنا بفكرة مشروع، محاكين ما يتناسب مع التعليم المحلي عندنا من التجربة السنغافورية، وقدمنا مشروعاً إلى أكثر من مانح، وإلى اليوم لم نحصل على تمويل، لعل بعض سياسات التمويل لا تدعم تطوير التعليم! أو أن هناك أسبابا خفية.

وهناك فكرة أخرى تكميلية لما ورد في التجربة السابقة، وهي توظيف تكنولوجيا التعلم والاستفادة منها بقدر المستطاع في مختلف أوجه العملية التعليمية، من خلال استخدام الوسائل التكنولوجية كـ(أجهزة الحاسوب، والشاشة الذكية،..)، بالإضافة إلى إنتاج أفلام تعليمية توضح الدرس بشكل عملي مبسط، ونشرها على الإنترنت، حيث يمكننا الاستفادة من تجربة مؤسسة خان التعليمية في هذا المجال.

 فنلندا في الصدارة

يصنف المنتدى الاقتصادي العالمي التعليم في فنلندا في المرتبة الأولى عالمياً، فيعتمد التعليم على استراتيجية “كيف تفكر؟” بعكس الطريق التي نتعلم من خلاها وهي “التلقين”، بالإضافة إلى اعتماد التعليم على طرق التقويم على أساس اختبار قدرة الطالب على استنباط النتائج وعلى البحث الموضوعي، والقدرة على الإقناع استنادا إلى حجج منطقية، بدلاً من أنظمة الامتحانات المعتمدة في باقي الدول.

 مقترح فكرة

في ملخص لأفكاري حول تطوير التعليم، وفي مثال عملي يسهل تطبيقه، أقترح تأسيس مركز لتطوير التعليم كمؤسسة أهلية “غير ربحية”، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم العالي ومجلس استشاري يتكون من خبراء ونشطاء في تطوير التعليم، ويراقب عمله لجنة خارجية، مكونة من أعضاء من مؤسسات المجتمع المدني والحكومة وبعض الشخصيات المستقلة، ويقترح تمويل المركز من إيرادات الحكومة، بالإضافة إلى استقطاع جزءٍ من رواتب الموظفين كمساهمة، ومن ضرائب الشركات، وأموال الزكاة، والهبات والمنح الخارجية، ويقترح أن يحتوى المركز على أربعة برامج أساسية، وهي برنامج تطوير قدرات المعلم، وبرنامج إنتاج الوسائل التعليمية، وبرنامج تطوير قدرات الطالب، وبرنامج تطوير البيئة التعليمة، وكل برنامج يحتوى على عدة مشاريع متخصصة في كل الجوانب التي تتعلق بالتعليم. على سبيل المثال يقترح مشروع “التعليم بالألعاب”، ويهدف إلى تطوير قدرات ومهارات المعلمين في نقل المعلومات باستخدام الألعاب التعليمية، وهذا المشروع جزء من برنامج تطوير قدرات المعلم، بالإضافة إلى ذلك سيعمل المشروع على تأهيل هؤلاء المعلمين لتصميم ألعاب تعليمية جديدة، والأفكار كثيرة لا للحصر.

خلاصة القول

هذه التجارب من السهولة محاكاتها  والاستفادة منها في تطوير التعليم في فلسطين وباقي البلدان العربية، ولكن نحن بحاجة إلى قيادة تضع في سلم أولوياتها تطوير التعليم من خلال عمل خطط وطنية يطرح فيها كل أفكار التطوير كمثال: مركز تطوير التعليم، مع كيفية تنفيذها والفترة الزمنية للتنفيذ مع الموازنة التقديرية، وتشتمل على مراحل المتابعة وسائل تقييم التجربة، حينها سنصل إلى أعلى مستويات التعليم، فلم يكن تعليم سنغافورة ولا فنلندا أحسن حالا منا، ولكنهم عزموا على التطوير وأصروا على ذلك حتى وصلوا إلى نتائج واضحة ومزهرة، فكانت عندهم القيادة التي وضعت الرؤى للتطوير والتنمية فتحقق الحلم، فدعوة لاستيراد تجارب التعليم الناجحة من العالم وقولبتها مع بيئتنا العربية، فهل يمكن استيراد التعليم من الأنفاق يا سادة ؟

 

 

اضف تعليق