الثقافة وصناعة الممارسة التعليمية الواعية

كتبه : د. رجب بن علي العويسي

تدقيق لغوي : محمد الحارثي 

يبدو أن الحديث عن دور الثقافة في التعليم يرتبط بقدرة الثقافة على تأصيل مفاهيم حياتية معاصرة تعزّز من قدرة الفرد على التعامل مع النسق التعليمي في إطار الممارسة الايجابية وامتلاك الأدوات والآليات المساندة لتحقيق التحول، وأن تأثير النسق الثقافي على التعليم بات واضحا في كل مجالاته ، واعتمد نجاح الممارسة التعليمية على نتاج ما تمتلكه الثقافة المجتمعية من مفاهيم الجودة والشراكة ، وترسيخ ثقافة الايجابية والتكامل والحوار في سلوك الأفراد وممارساتهم اليومية، وتحويل المبادئ الثقافية إلى ممارسات عملية تنتج تحولات لها أثرها على التعليم ذاته.  وعند النظر إلى الممارسات التعليمية يظهر مستوى تأثير البعد الثقافي على التعليم وتشكيل هويته وقدرته على تجاوز التحديات وضبط سلوك الأفراد وفق مبادئ وأسس ، فقدرة المتعلم على الاختيار الواعي من بين بدائل متعددة في مساره الدراسي والمهني، واختيار هواياته وبناء طموحاته واستعداداته  وفتح المجال له للتعلم الذاتي والممارسة التأملية في الحياة، والاستفادة من وسائط التعلم المختلفة  يرتبط  بالمفهوم المترسخ لديه من المجتمع والقناعة المتولدة لديه  في محيط الأسرة والبيئة،  ودور التوجيه الأبوي والعلاقات التفاعلية  المجتمعية،  أو مستوى المرونة التي يبديها المجتمع في تعامل المتعلم معها  وقدرة المجتمع على تحفيز الفرد على تلمسها واستيعابه لنتائجها، إذ أنه عندما تبرز قضايا التعلم النشط والممارسة الصحيحة في سلوك المجتمع نحو التعليم وقناعاته التي يرسخها في المتعلمين؛  عندها ستثمر هذه التوجهات عن ممارسات إيجابية تنعكس  على الأداء التعليمي ذاته ، فتظهر في المتعلم قيم التعلم النشط كالاجتهاد وتنظيم الوقت والاهتمام بالأولويات والنقد البناء والاختيار الواعي لتخصصه والمشاركة بفاعلية  في تحديد مساره واختيار طريقة تعلمه مما سيكون له أثره في طبيعة السلوك التعليمي الناتج؛  فيصبح السلوك المجتمعي المعبر عنه في ثقافته وتوجهاته الداعم الحقيقي للمتعلم  في   نقل محور اهتمامه وتعامله مع أدواته، وقدرة المجتمع على التعاطي مع نظريات التعليم والتطورات الفكرية الحاصلة في المناهج وطرائق التدريس واستراتيجيات التعلم ، والتطبيقات التعليمية والأنشطة والبرامج ، بما يوفر فرصا أكبر لنمو الممارسة التعليمية، ويصبح التعليم  في  أساسه انعكاس للثقافة ونتاج لسلوك اجتماعي  يرسم للأجيال مناخات أوسع  تضمن الاستقرار الفكري للمتعلم والممارسة الواعية لاختياراته، فإن قدرة التعليم في صناعة هذا التحول في الممارسة ناتج عن مستويات الضبط التي يمتلكها والأساليب والأدوات التي يتقنها، وفلسفة عمله  القائمة على  التخطيط السليم والتنظيم الدقيق.

.

وتبرز الثقافة المتوازنة نماذج عمل نوعية تظهر في شكل الممارسة التعليمية ذاتها، وضبطها وتوجيه مقاصدها نحو بناء تعلم عالي الجودة. فالحديث عن ثقافة التسامح والحوار بين  الطلبة في تجاوز اشكاليات  التعاطي  السلبي مع الأحداث الحاصلة في بيئة التعلم، وترسيخ ثقافة تعليمية تؤصل للتعاون والتكاتف والحب وتحمل المسؤولية والشراكة وتقاسم المسؤوليات مع المجتمع؛ إنما هي نتاج ثقافة تؤمن بالإيجابية والتغيير، وتنقل محور اهتمامها إلى الفرد  في إطار التوازن الفكري والمهاري والوجداني وقدرة هذه  الأطر على التآلف مع قيم المجتمع وأخلاقياته ومبادئه وقناعاته، ليصبح البحث عن جودة الممارسة التعليمية في إطار جودة الثقافة ، ليصبح اهتمام المجتمع في شعوره بدوره نحو إيجاد بيئة تعليمية راقية يشعر فيها الجميع بالأمن والأمان والاستقرار  والرغبة في الإنجاز في سبيل الوصول إلى ممارسة تعليمية تحمل في ذاتها أسس نجاحها وعوامل تقدمها، وعندها سوف يضع التعليم في استراتيجياته تأطير هذا المنجز الثقافي  ليس فقط من خلال ترسيخ ثقافة التحول والتغيير في الخطاب التعليمي وصقل نتائج هذه الثقافة وضبط مسارات عملها وتعميق أثرها في السلوك التعليمية سواء لعناصر المنظومة التعليمية أو في الممارسة التعليمية ذاتها التي تعبر عن قيمة معنوية وحسية لهذه الثقافة تحقق خلالها معايير جودة الأداء التعليمي؛ ولكن أيضا في   سعي التعليم نحو  مساندة الثقافة  بأن تُولد في المدرسة وتنمو في  أروقتها  وتتعزز في برنامجها  اليومي وأنشطتها ومناهجها  ونظام عملها وتصبح مدخلا لتطبيق مبادئ الضبط الطلابي  وفق معايير المجتمع الصحيحة وأنظمته السليمه، وذلك  بتشجيع الحركة الثقافية  داخل المدارس ونمو الأنشطة الأخرى  كالمسرح والفنون التشكيلية  والتراث المادي وغير المادي وصناعة القدرات الثقافية في المدارس  من شعراء وكتاب ومسرحيين وممثلين ومنشدين ومهتمين بالشعر وغيرها من العناصر الثقافيىة التي تجد في المدرسة فرصتها للنمو والتطور، والتي تصقل بالخبرة والتجربة والتدريب والممارسة لتصبح نتاجا رصينا يبدأ من أروقة مؤسسة التعليم . وعليه فإن  البحث عن دور الثقافة في تشكيل الممارسة التعليمية الواعية يرتبط اليوم  بما تولّده من قيم التعددية والتسامح والتعارف والحوار والتشارك واحترام الأخر وتقدير الجهد الإنساني واحترم الثقافة العمانية والرموز الوطنية وتقديرالإنجاز الوطني ، وما يمكن أن يعكسه ذلك في إيجاد بيئة تعلمية جاذبة  تؤصل في منتسبيها قيم  التعايش والحوار، وتعمق التواصل والاستفاد من شبكات التواصل الاجتماعي، ومفهوم النقد البناء والرأي الآخر واحترام العلم والمعلم وتقدير المعرفة، وفق ضوابط منهجية، وأطر سليمه تؤطر لهذه الثقافة،  في ظل سلوك مستدام وممارسة مبنية على قناعة واختيار ورغبة  في الإنجاز.

 

اضف تعليق