المعلم العماني ذو كفاءة ؟ أم مهنة يمتهنها من لا مهنة له ؟

تحقيق : يعرب المعمري

تدقيق لغوي : بسام أبو قصيدة

أكثر من 56 ألف معلم ومعلمة يزاولون مهنة التعليم في سلطنة عمان حسب إحصاءات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2015\2016 م موزعين على ما يقارب 1077 مدرسة في شتى أرجاء السلطنة، ويتتلمذ تحت أيديهم أكثر من نصف مليون طالب وطالبة.

وبالنظر إلى مؤشر جودة التعليم لمنظمة التعاون الاقتصادي، والذي يعتمد في تصنيفه على المقارنة بين جودة التعليم ونسبة النمو الاقتصادي في الدول المعنية، ويقيم حسب نتائج التلاميذ في مادتي الرياضيات والعلوم، وتمنح النتائج استنادا إلى امتحانات تجريها المنظمة، وتأخذ بعين الاعتبار عددا من المعايير العالمية المعتمدة في مجال التعليم، نجد أن ترتيب سلطنة عمان في هذا المؤشر لعام 2015 جاء في المرتبة الـ 73 من أصل 76 دولة خضعت لهذا المقياس يليها تباعا كل من المغرب والهندوراس وجنوب أفريقيا وأخيرا غانا.

جميع الأرقام السابقة الذكر تجعلنا نقف لبرهة من الزمن لنتساءل، هل المعلم العماني أحد المسببات لتلك المؤشرات المتدنية؟ وما مدى تأثيره فيها؟ وبمعنى آخر، هل يمتلك المعلم العماني الكفاءة المطلوبة والمهارات اللازمة للأخذ بيد أكثر من نصف مليون طالب، والنهوض بمستوى جودة التعليم في الوطن العزيز؟ أم أنه لا يلقي لها بالا، ويعتبرها مهنة يحصل منها على قوت يومه ؟

أسرة مجلة نوت تسلط الضوء على هذا الموضوع، وتجري التحقيق الصحفي التالي، وتطرح من خلاله آراء ووجهات نظر مختصين ومطلعين على هذا الجانب:

–         كفاءة المعلم العماني :

تقول خديجة الشحية – تعليمية محافظة مسندم – :

من خلال تواجدي في الحقل التربوي أرى بأن ليس هناك تساوي في الكفاءة لدى جميع المعلمين العمانيين، فبعضهم لديه كفاءة عالية، والبعض الآخر متوسطة، والبعض لا يوجد لديه كفاءة، ويمكننا تقييم أدائه من خلال المستوى التحصيلي لطلابه، والأنشطة الصفية و اللاصفية التي يقدمها لهم، ومدى حماسه وحبه لمهنة التعليم، والمبادرات والمساهمات التي يقوم بها في العملية التعليمية وفي المدرسة التي يتواجد بها مثل مشاريع تخدم الطالب ، والمشاغل والدورات التي يقوم بها للطلاب والمعلمين . ولا أعتقد بأن كل المعلمين العمانيين لديهم نفس القدر من الكفاءة، فحسب منظوري أرى أن النسبة العامة للمعلمين الأكفاء في السلطنة هي ٦٥ ٪‏

خالد العبري – مدرب وكاتب صحفي – يرى :

المعلم العماني لا يقل كفاءة عن أقرانه من المعلمين بذاته، ولكن هناك مقومات أخرى تحدد مدى كفاءته من عدمها، والحقيقة أنه لا توجد حتى الآن آلية تعطينا أرقاما ونتائج عن مدى كفاءة المعلم العماني، ولذلك من المهم وضع آلية حقيقية لقياس أداء المعلم، وذلك من أجل إجراء التحسينات مستقبلا.

ولا أعتقد أن المعلمين العمانيين على قدر واحد من الكفاءة، والواقع أن المعلمين الشباب أكثر إنتاجية من المعلمين القدامى، وخصوصا من تم إحالته إلى وظائف إدارية، حيث اعتبر الكثير من هؤلاء أن الوظائف الإدارية هي استراحة مسافر.

ولا عتب عليهم، فالعتب على القائمين في المديرية العامة والوزارة بتحديد آلية امتهان الوظائف الإدارية، حيث ينبغي أن يكون شخصا كفأً حتى لا يتحمل المعلم عبء التقصير في تلك الوظائف.

ولذلك أنوه إلى أن الفئة التي امتهنت العديد من الوظائف الإدارية بالمدرسة مثل أخصائي البيانات والأنشطة وغيرها من المهن الإدارية لهم دور كبير جدا، وما نشاهده اليوم من واقع أليم أن غالب هؤلاء لا يقوم فعلا بدورهم المناط بهم أثّر على كفاءة المعلم العماني، حيث أحيلت إليه بعض مهام هؤلاء، بسبب عدم كفاءتهم وعدم قيامهم بدورهم المنوط لهم

سعيد – معلم – يقول :

لن أكون نرجسيا وسأتحدث بكل شفافية، نعم المعلم العماني ذو كفاءة وقدرة عالية على إخراج طلبة علم نقارع بهم ونفاخر الدول، ولكن عددهم لا يتعدى بضعة ألوف من أصل 56 ألفا، ويشكلون ما نسبته 20%  فقط.

ولا أقول ذلك من فراغ، فأنا مطلع وعلى احتكاك تام، ومنخرط فيما يسمى بالحقل التربوي، أما النسبة الباقية فهم يدّعون الكفاءة ويتقنون تمثيلها، بل ويبرعون في خداع مسؤوليهم بأنه لا غبار على أدائهم، ولكن يمكن عكس تلك النسبة ورفعها بإصلاح المنظومة التعليمية، وتغيير القيادات العليا، وعمل إصلاحات وظيفية في الوظائف التي تصنع القرار.

رقية الزعابية – طالبة دكتوراه وعضوة اللجنة العلمية للطلبة العمانيين ببريطانيا – تقول :

يتبادر في أذهان الكثيرين – وأنا منهم – ما وصل إليه حال التعليم في الوطن العربي وفي عمان بشكل خاص؛ فهو حال المريض الذي ينتظر العلاج بفارغ الصبر ولا يعلم هل سيطول انتظاره أم أن العلاج وشيك قريب.

يرتكز التعليم الناجح على ركائز عدة منها المعلم الناجح، فهل يجوز أن تعطى هذه المهنة لمن لا مهنة له؟ قطعا لا، فالتعليم هي المهنة الأسمى بعد النبوة، فالأنبياء كانوا معلمين من الطراز الأول، فكيف أصبحوا كذلك؟ أصبحوا كذلك بتحليهم بخصائص معينة مثل الإخلاص والصدق والقدرة على العطاء والقدوة الصالحة والقدرة على ترسيخ القيم الطيبة والحرص على النفع بدون تمييز.

وهذا يقودنا إلى نتيجة حتمية وهي قيام الرقيب على العملية التعليمية بتقييم مخرجات كليات التربية في عمان، والوقوف على كل اعوجاج وتقييمه من مرحلة اختيار طلبة كليات التربية وحتى آخر يوم يعلمون فيه أجيالنا، فإن لم يتوفر فيهم ما يؤهلهم لتنشئة أبنائنا التنشئة الصالحة، فعليهم أن يمتهنوا مهنا أخرى أقل قداسة من مهنة المعلم.

 

–         دور وزارة التربية والتعليم في رفع كفاءة المعلم وتكريمه  :

 

يرى سعيد بأن :

أغلب البرامج والدورات التدريبية التي تطرحها وزارة التربية والتعليم لرفع كفاءة المعلم لا تحقق الأهداف المرجوة منها، والسبب يعود بأنها تنتهي بمجرد انتهاء طرحها، ولا توجد آلية لمتابعة تنفيذها في الميدان، ولأكون منصفا علينا أن نستثني ما يقوم به المركز التخصصي للتدريب المهني للمعلمين، فهو الوحيد الذي يقيم أثر التدريب في برامجه، وبصماته محسوسة وملموسة . أما فيما يتعلق بتكريم المتميزين من المعلمين فهنا حدث ولا حرج، فالمحسوبية والأقدمية في التعيين هي المعيار الأول في التكريم، هذا جانب والجانب الآخر قيمة التكريم الذي سيحصل عليه المعلم ، شهادة تقدير مع جائزة عينية يضعها في أدراج مكتبه .

وتقول الشحية في هذا الجانب :

نعم ..  الوزارة تقوم بدور كبير من أجل زيادة كفاءة المعلم العماني من خلال البرامج التدريبية والمشاغل والدورات الداخلية والخارجية التي تقوم بها، وتهتم به من خلال تكريمه في يوم المعلم، ولكن التكريم لا يشمل جميع المعلمين المتميزين والأجدر بالتكريم،  إنما يكون التكريم على حسب الأقدمية، وأحيانا المعلم المتميز لا يحصل على التكريم والتشجيع ومن يقدّر الجهد الذي يقوم به، وللأسف لا يوجد هناك تصنيف أو تمييز للمعلم الأكفأ عن باقي المعلمين .

 

–         المعلم ومؤشرات جودة التعليم الدولية  :

تقول الشحية :

توجد علاقة طردية بين كفاءة المعلم العماني وبين العملية التعليمية ( المستوى التحصيلي)، فكلما كانت كفاءة المعلم عالية كلما كان الناتج عاليا والعكس صحيح، وأعتقد أن كفاءة المعلم لها علاقة بتذيّل السلطنة للترتيب الدولي، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل الطالب من حيث عدم الاهتمام والاهمال وتدني دافعيته للتعلم والمنهج والأسرة ووثيقة التقويم .

وترى الزعابية :

لا أعتقد أن المعلم السبب الرئيسي في تذيل الترتيب الدولي في جودة التعليم، فالمنظومة التعليمية ككل هي السبب، وأستحضر هنا تجربتي في تعليم أولادي وهم في مراحل مختلفة من الحضانة وحتى التعليم الثانوي في نظام التعليم البريطاني، وأذكر جيدا كيف كانت معاناتي في عمان من كثرة الواجبات الدراسية على الأبناء، وكثرة الشكاوى من المعلمين، والمعركة اليومية في إقناعهم بالذهاب للمدرسة، هذا كله اختفى في أول يوم ذهبوا فيه للمدرسة في بريطانيا. أبنائي الآن يستمتعون جدا بالمدرسة وبالتعليم وعلاقاتهم جيدة جدا مع مدرسيهم .

ويقول خالد العبري :

بالتأكيد أن المعلم له دور كبير في العملية التعليمية، إلا أن تذييل السلطنة للترتيب الدولي له علاقة بالمنظومة التعليمية عامة من حيث المناهج الدراسية، وتهميش المعلم عموما في اتخاذ القرار بما يرتبط بالمنظومة التعليمية. إلا أن المراقب للتعليم في السلطنة يلاحظ أنه قد تعافي وصار ينتقل من الأفضل إلى الأفضل رغم العقبات التي ما زالت بحاجة إلى تسهيل.

أما سعيد فيقول :

بالنسبة للترتيب الدولي لجودة التعليم فتأثير المعلم هنا كبير يصل إلى 25% ، ولكن لا نحمّله كامل المسؤولية ولا أساسها ، فالسبب الرئيسي في التذيل هنا يعود للنظام التعليمي ككل، فهو بحاجة الى إعادة صياغة من مناهج وقانون وقيادات تتربع الوزارة والمديريات .

تعليقات الموقع

اضف تعليق