5 أسبابٍ تجعلُ من فَنِّ طَيِّ الورق – أوريغامي – مصدرًا تعليميًا مُثْرِيًا

كتبه: أنسية رامز

ترجمة : إبراهيم العزري

قد تُحدَّثُك نفسكَ أَنه كيفَ لورقةٍ تطويها عدةَ طيَّاتٍ أن تفعلَ العجب وتغيرَ حياتك، لكن لا تغُرنَّكَ صغائرُ الأمور فبعضُها يعني الكثير! ما هو – في نظركم – الرابط العجيب بين عُلَبِ البيتزا الكرتونية والأكياسِ الورقية والمناديلُ الفاخرة؟ بالضبط طَيُّ الورق!

إن أقدمَ قطعةٍ من الأوريغامي –فنُّ طّيِّ الورق- تعودُ إلى حِقَبِ القرونِ الغابرة في الصين، وهذا الفنُّ له تاريخٌ تتأصَّلُ جذورهُ في عصورِ اليابان القديمة أيضًا، وها هيَ شعبيةُ هذا الفن تعودُ لتُؤثِّرَ مجددًا في حياتنا المعاصرة، ويمكن أن يكونَ لهُ أثرٌ كبيرٌ على التربيةِ والتعليمِ اليوم. إن هذا اللون من ألوان الفن ملئٌ بالتحدي، ولو أنَّهُ اسْتُعمِلَ مع طلابنا لَانْهَمَكوا فيه ولطوَرَ من مهاراتهم المختلفة التي تتضمن مهارات التركيز، والاستيعاب المساحي spatial perception، والتفكير المنطقي والمتسلسل logical and sequential thinking .

إنه نوع من الفنون الذي يناسب جميع المواد الدراسية.

ولقد وجدَ الباحثونَ عددًا مِنَ الطرقِ التي تجعلُ من الأوريغامي عاملاً يُثيرُ ويفتحُ شهيَّةَ الطلابِ للتعلم. بينما هُمْ مُنْهمكونَ في طيِّ الورق، يأتي دورُ هذا الفن في صقلِ مهاراتهم.

ها هي بعض الطرق التي يمكن أن تُستخدم في الصفِّ الدراسي لتحسينِ عدد من المهارات:

  • (1) الأوريغامي والرياضيات: من التجريد إلى التجسيد

في دراسةٍ قامَ بها المركزُ الوطنيُ لإحصائياتِ التعليمِ في العامِ 2003م، وُجِدَ أَنَّ مادةَ الرياضياتِ هيَ أحدُ مسبِّباتِ ضَعْفِ التحصيلِ الدراسي لدى img_1676الطلابِ الأمريكان. بالنسبةِ لعلمٍ كالرياضياتِ، الذي ينظرُ إليهِ معظمُ الناسِ، على أنهُ عِلْمٌ مُجَرَّدٌ جامدٌ رَتيبٌ خالٍ من أيِّ شكلٍ من أشكالِ الحياة، وُجِدَ أنَّ للأوريغامي دورٌ في بثِّ روحِ الحياةِ والتجديدِ في تلكَ المفاهيمِ، والمُعادلاتِ، والرموزِ الرياضيةِ، بل وتُقوِّي من قدراتِ الطلابِ الاستيعابية لها باستخدامِ مثالٍ لأيِّ شكلٍ من الأوريغامي وربطِ مفاهيمِ الطولِ والعرضِ والارتفاعِ على أساسهِ؛ سوف يتسنَّى للطلابِ تعلمِ تلكَ المصطلحاتِ الرياضيةِ الأساسيةِ، كما سيتعلمونَ عدةَ طرقٍ لوصفِ ذلكَ الشكل. يمكنُ عل سبيلِ المثال أن تقومَ بصُنعِ أيّ مَعْلَمٍ حضاريٍّ مشهورٍ حولَ العالم بطيِّ الورق، وتُطبَّقْ عليهِ معادلةُ رياضيةُ معينة لتوضيحِ تلكَ المفاهيم. والرابط التالي يوضح بعض الأمثلة لكيفية استخدام الأوريجامي في تدريس الرياضيات:

http://math.unipa.it/~grim/21_project/Boakes69-73.pdf

  • (2) تعزيزُ مهاراتِ التفكير، والقدرةِ اللغوية

للأوريغامي القدرةَ على تحفيزِ وإثارةِ طرائقَ أخرى للتعلم، فقد أظهرت الدراساتُ أنهُ  يساعدُ  على تحسين مهارات التصور المساحي Spatial visulaization باستخدام التطبيقِ العملي. إنَّ أمثالَ هذهِ المهاراتِ تساعدُ الأطفالَ على فهمِ وتشكيلِ وبناءِ قدراتهم اللغوية، متمكنينَ بعدها من وصفِ واستيعابِ ما يجري حولهم في هذا العالم. أّضْفِ جوًّا من المرح لحصصكَ الدراسية، حاول أن تستخدم بعضَ أشكالِ الأوريغامي أو أشكالٍ أخرى ذاتَ طبيعةٍ هندسية ثمَّ قُم بوصفها والتحدثِ عنها باستخدامِ مصطلحاتٍ رياضية ذات صلة.

  • (3) مفاهيمُ الكُسورِ الرياضية: تبديد المخاوف

إذا كانَ طلابكَ يتخوَّفُونَ مِنَ الكسورِ الرياضيةِ – أيضًا – فَلِمَ لا تستخدمُ الأوريغامي لتبديدِ تلكَ المخاوف؟ إنَّ تعليمَ الكسورِ بِطَيَّ الورقِ يمكنُ أن يحولَ مفاهيمَ الكسورِ المُجَرَّدةِ إلى مفاهيمَ عمليةٍ وواقعية. قُمْ، مثلاً، بتوضيحِ مفاهيمِ الكسورِ الأساسيةِ كالنِّصْفِ، والثُلُثِ، والرُبْعِ، بِسؤال طلابكَ: كم طَيَّةَ يحتاجونها لِصُنْعِ شكلٍ ما؟ كما يمكنُ توضيحُ مفهومِ اللانهائية بِطَيِّ نصفِ الورقةِ مرةً تلوَ الأُخرى. 

  • (4) حل المسائلِ والمشاكل: تقبُّل الفشل، وتكرار المحاولة

إِنَّ التفكيرَ المُنْغَلِقَ يُملي علينا – في أغلبِ الأحيانِ – أَنَّ هناكَ طريقةً واحدةً لإنجازِ عملٍ أو نشاطٍ ما، وأنَّهُ لا إجابةَ على سؤالٍ إلا إجابة واحدة، وأنَّهُ لا طريقَ لمكانٍ نَقْصِدُهُ إلا واحد؛ وهذا ما يجعلُ الفشلَ يّسْري في نُفوسِنا عندَ أولِ عائقٍ يعترضُ طريقنا. تُعَلِّمُ الأوريغامي الطلابَ أَنْ يجعلوا من الفشلِ صديقًا مُقّرَّبًا لهم، وأن يُقرِّبوا هذا الصديقَ منهم بالمحاولةِ  بعدَ الفشل، ثم المحاولة بعدَ الفشل، فالمحاولة بعدَ الفشل. لكي تُرَسِّخ مفهومَ التعددِ في طرقِ حلِّ المشاكلِ والمسائل، قُمْ بعرضِ شكلٍ ورقيٍّ أمامَ طلابك واطلب منهم أن يأتوا بِطُريقةٍ لتشكيلِ ذاتِ الشكلْ. ترقب النتيجة وانظُر، فقد يأتي كلٌ بطريقته، وتذكَّر أَنْ تصرفَ عن ذِهنكَ مفهومَ “إجابةٍ صحيحة” أو “إجابةٍ خاطئة”.

  • (5) العلومُ المَرِحَة

أَضِفِ المرحَ لصفكَ حتى في حصصِ الفيزياء، والأوريغامي خيرُ طريقةٍ لشرحِ المفاهيمِ الفيزيائية بطريقة ممتعة. لو أخذتَ ورقةً في يدكَ فإنَّكَ ترى كمimagesW9ZKN9LL أنَّها مادةٌ غيرُ صلبةٍ، بل هي مرنةٌ وغيرُ قوية، لكنكَ لو طَوَيْتَها بطريقةٍ لتشكلَ بها آلةَ الأكورديون الموسيقية، فَسَتَرى أنَّها متماسكةٌ وصلبة. هل تعلم أن تشييدَ الجسورِ فنٌّ معماريُّ مبنيٌّ على نفسِ هذا المفهوم؟ ليسَ هذا فحسب، فالأوريغامي طريقةٌ عمليةٌ لشرحِ مفاهيمِ الجزئيات، فتأتي العديدُ من الجزئيات بطبيعتها الهندسية رباعيةَ السُطوح tetrahedrons، ومتعددةَ السطوح polyhedra.

المزيد من المتعة!

إذا كنتُم تبحثونَ عنِ المزيدِ من المرحِ والمُتعة، فإليكم هذهِ الأنشطة لتُبقي أيديكم وعقولكم الشابة في اشتغالٍ ونشاط. تصفَّح الرابط التالي: https://origamiusa.org/diagrams المحتوي على الكثير من أعمال الأوريغامي التي يمكنك تعلم صنعها.

الفنُّ الحاضرُ الغائِب.

يحبُّ الأطفالُ الأوريغامي منذُ الصِغَرْ، والدليلُ على ذلكَ هوَ ذلكَ الشعورُ الغامرِ عندما يصنعونَ أولَ طائرةٍ وَرَقِيَّة، أو قاربٍ وَرَقِي. قد لا يخطرُ الأمرُ على بالنا، لكنَّ فنَّ طَيِّ الورقِ يتدخَّلُ في صُنعِ كثيرٍ من الأشياءِ حولنا، بدءًا بأبسطِها كالأَظْرُفِ، والمراوحِ الورقية، إلى الطرقِ التي نَطوي بها قُمصاننا، وفُوَطِنا الفاخرة، بالإضافة إلى المنشورات الورقية.  الأرويغامي تُغَلِّفُنا إِنْ جازَ التعبير، وقد وُجِدَ أنها لا تُطوِّرُ فقط قدرات الاستيعاب المساحي الثلاثي الأبعاد 3D Perception، والتفكيرِ المنطقي، بل إنها تزيدُ من قدراتِ التركيزِ والانتباه. كما كشفت الدراساتُ أنَّ أداءَ الطلابِ الذين يستخدمون الأرويغامي في الرياضياتِ أفضلَ بكثيرٍ من غيرهم.

لكنَّ الأوريغامي –مع بالغِ الأسف- مصدرٌ تعليميٌ مُغَيَّبٌ في صفوفنا الدراسية، بالرغمِ مِنْ أنهُ يُمكنُ أن يُسْتَخْدَم في الرياضياتِ، والجبرِ، والهندسة، ويؤدي إلى زيادةِ البراعةِ اليدوية عندَ التعاملِ معَ الأشياء، كما أن الأوريغامي طريقةٌ جيدةٌ لإثراءِ العمليةِ التعليميةِ بدمجِ العلومِ science، والتكنولوجيا technology ، والهندسةEngineering ، والفنون Art ، والرياضياتmath  مع بعضها، ويُعَبَّر عن هذا الدمجِ المعرفي في علمِ التربيةِ والتعليم الحديث بمصطلح STEAM.

الأوريغامي في حياتنا.

في الوقتِ الذي ما زالت المدارسُ تحاولُ فيه استيعابَ مدى فعاليةِ فنِّ طَيِّ الورق كمصدرٍ تعليميٍ، واستيعابِ مدى فعاليةِ عمليةِ الدمجِ المعرفي (STEAM) ، فإنَّ حركةً علميةً فعليةً وسَبَّاقَة قد بدأت أصلًا في استخدامِ هذا الفنِّ لحلِّ بعضَ المشاكلِ التقنيةِ الصعبة، فقد تعاونَ الفنانونَ والمهندسونَ –مثلا- لإيجاد الثّنْياتِ أو الطَيَّاتِ المناسبةِ لتخزينِ وسائدَ الهواءِ airbags في المركباتِ بطريقةٍ تُسَهِّلُ فَتْحَها في جُزْءٍ مِنَ الثانية، بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ المؤسسةَ الوطنيةَ للعلومِ، وهي واحدةٌ من أكبرِ وكالاتِ تامويلِ المشاريعِ العلمية في أمريكا، دعمت بعضَ البرامجِ التي تربطُ بينَ عملِ الفنَّانينَ والمُهندسين لاستخدامِ الأوريغامي في التصميم. أما أفكارهم فليسَ لها حدود، فتبدأ من شكلِ المِلْقَطِ الطِبِّي إلى الألواحِ الشمسيةِ البلاستيكية القابلة للطي!

وتواصلُ الأوريغامي إدهاشَ العلماءِ بِحُضورها في الطبيعةِ من حولنا، فالكثيرُ من الخنافسِ لديها أجنحةٌ أكبرُ من حجمها، بل وأنها أحيانًا أكبرُ بمرتينِ أو ثلاثِ مراتٍ من حجمها، إذْ تقومُ تلكَ الخنافسُ بِطَيِّ وفَرْدِ أجنحتها بأسلوبِ أوريغامي مُذهل. لا توجدُ الأوريغامي في عالمِ الحشراتِ فقط، فبراعمُ النباتِ مطويةٌ بطريقةٍ معقدةٍ تُشبِهُ في تعقيدها طرقَ الطيِّ في الأوريغامي. إن الأوريغامي تحيطُ بنا، ويمكنُ أنْ تكونَ مصدرَ إلهامٍ للأطفالِ والبالغينَ على حدٍّ سواء.

إنها طريقةٌ جيدةٌ لجعلِ الأطفال ينخرطونَ أكثرَ في تَعَلُّمِ الرياضيات، ويمكنُ أن تُنّمِّي مهاراتهم، وتجعلهم يُقّدِّرونَ العالمَ من حولهم ويرونهُ بنظرةٍ مختلفةٍ كلما مَدُّوا بَصَرَهُم، وهيَ طريقةٌ لا يُعلى عليها لإضافةِ المتعةِ والمرحِ إلى تدريسكم.

 

المصدر : ( اضغط هنا )

اضف تعليق