الطريق إلى العلم

كتبه: جيمس ستون

 “إن الأطفال حول العالم يذهبون إلى المدرسة لتلقي التعليم، -وطريق العلم والمعرفة ليس محفوفًا بالمخاطر كما شهد التاريخ بذلك، أقلها في عصرنا الحالي، وخاصة في البلدان المتقدمة-، إذ لا يواجه جميع الأطفال في العالم تلك المخاطر والتحديات التي ينبغي على الأطفال في الدول النامية مكابدتها. لقد سافرت إلى تنزانيا لمقابلة طفلة تواجه الخطر –وقد ترى الموت- كل يوم فقط لتصل إلى المدرسة”.

عودوا بذاكرتكم جميعًا إلى الوقت الذي ارتدتم فيه المدرسة الإبتدائية في سن السابعة. هل اضطررتم إلى المشي إلى هناك وحيدين؟ هل واجهتم العديد من الصعوبات أو التحديات في طريقكم إلى المدرسة؟ هل خضتم طريقًا ذات طبيعة قاسية لدرجة أنكم وصلتم المدرسة برجلين داميتين؟ هل تعتقدون أنه لو خضتم هذه التجربة سيكون بإمكانكم أن تقطعوا مسافة 14 كيلومترًا من وإلى المدرسة وتعريض حياتكم للخطر؟ -مع تكرار السيناريو كل يوم؟ – طفلتنا “كاميلي” لم يكن في مقدورها ذلك أيضًا؛ إذ كانت بنيتها الجسمية ضعيفة، لكن بعزيمتها وإصرارها سعت جاهدة لتغيير هذا الأمر – كليًا -.

كاميلي طفلة في الثامنة من عمرها، تقطن قرية فيدينغ، بمقاطعة إفكارا، بتنزانيا. لقد ولدت لأم مسيحية اسمها مريم، التي توفي زوجها عندما كانت كاميلي حديثة الولادة. تزوجت مريم مرة أخرى وكونت عائلة جديدة مع زوجها الثاني يوحنا، وبعدها لم تكن الأمور على ما كانت عليه؛ فقد كانت كاميلي عضوًا غير مرحب به في العائلة الجديدة، وكان زوج أمها ينظر إليها على أنها عبء على عائلته لأنها ترغب في تلقي التعليم المدرسي الذي يُعد مُكلفا بالنسبة للعائلة. تتمنى كاميلي لو أنها تصبح فتاة متعلمة لتُعيل نفسها وأهلها؛ لكن بسبب الفقر المدقع الذي تعيش فيه عائلتها فإنها لا تجد من يوفر لها المتطلبات المدرسية الأساسية، حتى حذاء المدرسة أو الزي المدرسي.

ترتاد فتاتنا مدرسة في مدينة إيديت ماغيزارا التي تبعد 7 كيلومترات عن منزلها، وكان يتحتم عليها أن تقطع هذه المسافة كل يوم، مواجهة صعوبات الطريق القاسية، والأنواء المناخية، والظروف البيئية الصعبة. تقطن فتاتنا في وسط منطقة زراعية ويبعد أقرب طريق لها للمدرسة حوالي كيلومتر واحد من منزلها، إذًا عليها أن تخترق الحقول أولا لكي تصل إلى الطريق المؤدي إلى المدرسة. وعندها تبدأ رحلتها القاسية .

بينما هي تمشي راجلةً نحو المدرسة وتخترق الحقول المؤدية إلى الشارع، تقسو عليها تضاريس وأحوال تلك البقعة كلما تقدمت أكثر فأكثر، فتمر ببقعة فيها شجيرات تجرح وتخدش رجلها وقدمها وتُدميهما، وفي هذه الأثناء تحاول أن تجد طريقا أأمن لتفادي لدغات الأفاعي وغيرها من الأخطار التي تحدق بها في الطريق. تمشي في الطريق منتعلة نعالاً بسيطًا لا تكاد تحميها من مخاطر هكذا طريق. أما عائلتها فلا تملك المقدرة على تحمل تكاليف شراء حذاء مدرسي لها، وعندما يبلى نعالها فإنها ستمشي حافية القدمين.

ها هي تتخطى الحقول ذوات الشوك والأفاعي، لتكمل طريقها إلى المدرسة التي تبعد مسيرة ساعة ونصف.

في الموسم الحار والجاف، على كاميلي أن تتحمل الهواء المحمل بالغبار والأتربة الذي تسببه انبعاثات المركبات الثقيلة، وقطعان الماشية، إذ تغلفها سحابة ترابية تضيق الخناق عليها كلما مرت من ذلك المكان. أما إذا جئنا إلى الموسم الرطب فإنه يستحيل عبور هذا الطريق، وتلاقي من الأذى ما تلاقي من الطين والوحل المتطاير عليها بفعل حركة المرور بينما هي تشق بقدميها عباب برك الماء المتجمعة على الطريق؛ نظرا لعدم وجود نظام صرف صحي والذي يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه على الشارع.  

وفي خضم هذه الفوضى، على كاميلي أن تكون حذرة أشد الحذر وأن تُبقي زيها المدرسي نظيفًا! فهي ستضطر إلى أن تقفل راجعة إلى بيتها لو أن ملابسها اتسخت وستتغيب يومًا كاملاً عن دروسها.

لكن هنالك خيارين لا ثالث لهما، لكاميلي خيار آخر لتفادي زحام المارة والمركبات على الطريق وهو لا يقل خطورة عن خطورة الزحام الخانق، يمكن لها أن تسير بمحاذات سكة القطار نحو المدرسة، ولهذا الطريق مساوئه؛ فسكة القطارات تشهد حركة دائمة، عوضًا عن كونها وحيدة ومنعزلة في ذلك الطريق.

وفي هذه المناطق النائية المنعزلة عن الصخب، فإن قطاع الطرق يترصدون بالأطفال، فهم يستغلون حال الأطفال المزرية ويعرضون عليهم أن يوصلوهم إلى المدرسة، في حين أن الأطفال يُخطفون ليُباعوا في السوق السوداء لصالح التبرعات بالأعضاء البشرية. أما إذا ما كبرت كاميلي فإنها عرضة لخطر آخر وهو يعترض الفتيات ذوات ال14 إلى ال18 سنة ألا وهو خطر التحرش والعنف الجنسي، لهذا يفضل التنقل في الأماكن العامة أو في جماعات في تلك المنطقة.

أما خيارها الوحيد الثاني فهو أن تسلك الطرقات القديمة البعيدة عن الطريق الرئيسي وتمشي على الطريق الذي تصطف على جانبيه الأشجار الذي يؤدي أيضا إلى المدرسة، هنا تنتهي رحلتها القاسية، أقلها حتى فترة العصر، إذ عليها أن تسلك نفس الطريق للرجوع إلى المنزل لتمر بنفس السيناريو كل يوم.

وعندما سُئلت كاميلي عن رحلتها هذه قالت أنه بالرغم من أنها لا تستمتع بفعل ما تفعله وتشعر بالخوف أحيانًا- في الطريق إلى المدرسة، إلا أنها مستعدة لفعل أي شيء ولتكبد عناء أي شيء لتلقي تعليمًا جيدًا مع البقية من أقرانها.

وتخوض كاميلي هذه الرحلة –غالبًا- مع صديقتها المسلمة ذات الحادية عشرة، واسمها ليلى، وهذا ما يهدئ من روعها في الطريق ويجعلها تشعر بالأمان أكثر. هذا فقط إذا كانت ليلى ليست في المدرسة –في عطلة أو ما شابه- فمدرستها تبعد 7 كيلومترات في الاتجاه المعاكس لمدرسة كاميلي! وهي ترافق كاميلي في هذه الحالة فقط.

تقول كاميلي وليلى أنهما يفهمان ماهية أن يتلقى المرء تعليمًا جيدًا، وأنه عندما يكبران فإنهما ستكونان قادرتان على إعالة نفسيهما وعلى إعالة أهلهما، ولن يضطرا بعد ذلك لعيش حياة الفقر القاسية التي اعتادتا عليها الآن.  

اضف تعليق