التعليم وإعادة الانتاج الثقافي

يطرح موضوعنا تساؤلات عدة حول دور التعليم في إعادة الإنتاج الثقافي والفكري والاجتماعي والتعليمي، ماذا يمكن للتعليم أن يصنع في سبيل إعادة إنتاج الثقافة والفكر الاستراتيجي الوطني؟ وماذا يريد أن يعمل في ظل ما يمتلكه من رصيد نوعي وتجربة متوازنة؟ وما نوع الطالب الذي يريد؟ وكيف نقرأ التنمية والتطور في ظل واقع النظام التعليمي؟ وماذا يستطيع أن يقدم للإنسان طموحاته وآماله؟ وما البدائل التي رسمها لمعالجة تحديات التنمية: الباحثين عن العمل، وتحقيق المواءمة مع سوق العمل، وصناعة العقل الاستراتيجي، وترقية العاطفة وتهذيب السلوك، وتنمية حس الذوق والشعور بجماليات الحياة، هذه التساؤلات وغيرها ينبغي أن يضعها أي نظام تعليمي ينشد الجودة والاستدامة، أمام قراءته لمشهد الواقع واستشراف مستقبله المنظور، إذ أنها تضع له سقف توقعاته وتقرر مسار عمله القادم،  وتضع التعليم أمام الأمر الواقع، إما أن يعمل على التعامل معها بمهنية وفق مبدأ التدرج والأولويات في ظل الفرص المتاحة، أو أن ينسحب من حياة الناس وتنزع الثقة من مؤسساته، وهو ما سيدفع المجتمع كله وليس التعليم فحسب نتائجه السلبية.

لسنا مع الأخيرة، فثقتنا في تعليمنا وإنتاجنا الوطني كبيرة، وتشهد على ذلك التجربة العمانية الواعدة التي  بدأت من تحت ظل الشجر، وها هي اليوم إنجازات تتوالى وعطاء يتقدم ومساحات من الوعي تبرز وأنماط من الرقي الفكري والابداع والابتكار والموهبة تزخر بها البيئة التعليمية العمانية في مختلف مستويات التعليم، وأنواعه المتعددة، وفي الوقت نفسه ندرك جميعًا أن التعليم شهد تحولات متسارعة في أدواره وتوجهاته وغاياته ومنطلقاته وبرامجه ونواتجه، التي بلا شك تستوعب الواقع الاجتماعي الذي يعيشه إنسان هذا الوطن ويتفاعل مع معطيات عالمه سريع التغير كثير المعيقات،  فلم يعد التعليم مجرد تلقين الطلبة المعرفة، بل أصبح هدفه البحث في كيفية إنتاج المعرفة، ولم يعد دوره مجرد تثقيف المجتمع، بل تأكدت الحاجة إلى أن  يعمل على إعادة انتاج الثقافة بالطريقة التي تتناسب وطبيعة التحول المراد في المجتمع عبر الابتكار الثقافي وتوليد الثقافة القادرة على تعميق الهوية وتحافظ على المنجز الثقافي الوطني شامخًا متوافقًا مع منجزات العصر،  ولم يكتف بالتعليم أن يوفر المدارس والجامعات والمعاهد والمراكز وأماكن العلم، بل كيف يستثمر فيها بالشكل الذي يجعل منها قيمة مضافة، تصنع الإنجاز وتبني القدرات وتستثمر في الموارد.  إن التعليم بهذا المعنى يؤدي  دورا إنتاجيًا بتوظيف المعرفة وتعميق الفكرة الإيجابية لخلق استراتيجيات التحول وبناء أرضيات الابتكار، عبر ترقية منظومة القيم والعادات والمبادئ والتقاليد والتراث المادي وغير المادي والتأريخ والمنجز الثقافي الوطني مهما تنوعت صيغه أو تعددت أوصافه، وتطويرها والإضافة عليها، ومنح الإنسان فرص الاستمتاع بهذا الرصيد الحضاري والذاكرة الخالدة وتوظيفه لصناعة لحن جديد للحياة والعيش والتعايش بسلام وأمان وطمأنينة؛ بحيث يكون التعليم فيما وصل إليه أداة لتحقيق السعادة للإنسان وتوجيه الاختراع والابتكار والاكتشاف في سبيل بناء ذاته وتنمية وجوده الإنساني، لذلك كانت أهميته أن يعيش الواقع ويتعايش معه،  ليبني في ظل عمليات التشخيص والتحديث والتطوير وإعادة الندرة التي يتميز بها التعليم، نموذجًا جديدًا للتكيف والتعايش والحب والوئام الإنساني، بما يتوافق والتحولات الحاصلة في المجتمعات البشرية، ويفرض عليها واقعه المسالم والمتصالح مع الحياة والكون بكل نواميسه وثقافاته وعاداته، إنه الطريق لقراءة الحياة في ثوبها الجديد ومدركاتها المتجددة، ونقل  الفعل التعليمي إلى حيز الممارسة الواعية الجادة القائمة على بناء مفهوم أعمق للاستثمار في الرأسمال الفكري والثقافي والاجتماعي بالشكل الذي يجعله قادرًا على  التعايش مع واقعه والتصالح مع نفسه، والتكيف مع الحياة من حوله حلوها ومرها، إيجابيتها وسلبيتها، والتأقلم مع طبيعة التطوير، ويزيد عليه بما يؤهله للدخول في أحداث الحياة ومواقفها المتنوعة ولينقل أحداث المجتمع وتفاعلات الناس إلى مرحلة من الوعي وإدراك المسؤوليات وتعميق المشترك الإنساني بينهم والبناء عليه، في ظل إدراك الجميع للصالح العام وتعميق روح الجماعة وتقنين تأثير الأنا بما لا يضر بمصالح المجتمع، من هنا كان البحث عن دور التعليم في الإنتاج الثقافي كمنطلق لبناء استراتيجيات الحياة في تشعبها وتنوع متطلباتها وتعدد معطياتها وإضافة ألوان التجديد عليها في ظل الجمع بين قوة المنتج وتعقد عملياته وبين بساطته وعفويته واقترابه من الحس الشعوري والذائقة الجمالية للإنسان، وترقية فكره وصناعة عقله وتهذيب عاطفته وتمهين مهاراته وتجويد ممارساته، فإن التعليم بما يمتلكه من استراتيجيات ومنهجيات في العمل ومنطلقات للتطوير وخطط وأدوات وثقافة قائمة على وجود أهداف تقاس وأنماط تدرس ونماذج للقياس والتقييم، يستطيع أن يصنع الفارق، ويبني للحياة مشروعه الحضاري التي يتجاوب ومعطيات السلوك الإنساني الرشيد، ويتكيف مع أحداثه، فليس صحيحًا أن التعليم طريق الفوضى أو سبيل قتل الإنسان، بل في طبيعة وجوده الراقية قيمة جمالية للوجود الإنساني تهذبه وتصقله وتبنيه وتنمي فيه أسباب الخير وسبل الرشاد، إنه صناعة الإنسان القادر على رؤية الحياة في جمالياتها وذوقها وحواراتها وإيجابيتها، وكونها مرتكز للوصول إلى أفضل الممارسات، وفي الوقت نفسه تشخيصها وتقييمها ونقدها بما يتيح له فرص أكبر للابتكار وتوليد الثقافة الواعية، عبر نقل ممارسات التعليم من محدودية الأنا إلى توسيع دائرة انتقاله للحياة وتعلقه بالآخر، وعليه سيكون التعليم منطلق للتعاون واجتماع الكلمة وتحقيق الهدف وصناعة الإنجاز وتقييم المنجز والبحث المشترك في معالجة التحديات الفكرية وتحديات الأمن الاجتماعي وسلوك الشباب، والإرهاب والشائعات والانتهاكات الحاصلة لحقوق الانسان والضرر الحاصل بالبيئة وطبقة الأوزون، ليبني التعليم بذلك حصون التنمية والسلام  في سلوك الأجيال، ومقاومة كل أشكال الاغتراب والفوضى التي تعانيها الإنسانية بسبب نظرتها القاصرة للتعليم في تمجيد الشكليات وصناعة فرقعات واهية لن تدوم أمام التحديات، بل  بتنمية الابتكار وتعزيز الموهبة وخلق فرص التواصل الفعال بين الفكر الإنساني والتنمية، ووضوح معايير النوعية والمنافسة، وبناء الهويات  وتأصيل قيمة المواطنة، وتعميق المسؤولية الوطنية والانتماء الوطني والمشاركة المسؤولة، واحترام النظام، وبناء المهارة وتعزيز الشخصية المنتجة، وتمكين النمو لمشاريع الطلبة وبرامجهم وسلوك المعلم وقوة دافعيته، ومرونة النظام التعليمي وتوافقية هيكليته وجودته وسعيه لتحقيق أهداف واضحة وأطر محددة يستجيب لها وفق آليات مرسومة وأطر معلومة يتيح المجال للابتكار فيها والإضافة إليها بما يتناسب والخصوصيات الثقافية والاجتماعية. إن دور التعليم في الإنتاج الثقافي منظومة متوازنة متفاعلة لعمليات التعليم والتعلم عالية الجودة، تستلهم من معين القيم والأخلاق، وتراث المجتمع ولغة الحوار بين أبنائه وسلوك الوعي والأولويات والمعايير ومؤشرات العمل منطلقها؛ لإعادة صياغة إنتاج جماليات الحياة بطريقة توافقية تصنع الخير وتنشر الحب والسلام.

اضف تعليق