الضرب مستمر فهل قرار التعميم بمنعه يكفي؟

خرج الفيلسوف الإغريقي ديوجينيس يوماً في وضح النهار يحمل قنديلاً، وعندما سئل عما يفعل أجاب:

أبحث عن إنسان!

(٢)

المتأمل لردود الأفعال على قرار التعميم بمنع الضرب في المدارس يجعل المرء يشعر بأن هذا القرار لم يكن مجرد قرار إداري فقط؛ بل كان بمثابة المجهر الكاشف للكثير من المستور عن الثقافة السائدة في المجتمع.

هنالك كارثة حقيقية في الوعي سواء على المستوى النفسي، وهو الأهم لتطور أي مجتمع، أو على المستوى الفكري والثقافي. فهل هنالك مبالغة لو قلنا أنه لابد من قرع نواقيس الخطر لاستشعار كارثة حقيقية في الحس الإنساني؟ فهذا الحس هو بمثابة الوجود الحقيقي، ولا وجود في غياب هذا الحس. فحالات الجمود أو الانهيار أو التخلف غالباً ما تكون مرتبطة بغياب هذا الحس الإنساني.

للأسف معظم ردود الفعل على قرار التعميم كانت خلواً من الرأفة والرحمة، واتخذت الشكل الجامد والمؤيد للعنف مبررةً ذلك بالعرف والقانون والواقع الاجتماعي. المؤسف أن شريحة كبيرة من المعارضين لقرار منع الضرب كانت من المختصين في مختلف المجالات سواء في القانون و التربية والتعليم إلخ. الأمر الذي  يجعل المرء يشعر وكأن الذي أصدر تعميم منع الضرب هو “بطلٌ فذ” لأنه تجرأ على إصدار قرار كهذا! في حين أن الواجب الوظيفي والأخلاقي والإنساني يحتم أصلاً ليس اتخاذ قرار واحد فقط بل قرارات سريعة للحد من ارتكاب العنف ضد أطفال لا حول لهم ولا قوة. ولا يقف عند هذا الحد بل إتباعه بالعمل الجاد للقضاء على هذه الظاهرة.

ولكن من المحزن والمخجل جداً أنه في ظل هذا الواقع وهذه الثقافة لا يمكن اعتبار الواجب الوظيفي والأخلاقي والإنساني مجرد واجب فقط بل هو بطولة، وربما معجزة، لنشر ثقافة جديدة أكثر احتراماً لقيمة الإنسان ولأبسط حقوقه!

(3)

كان الرأي المعارض للقرار الأكثر خطورةً وانتشاراً هو القائل بأنه: لا يمكن إدارة الصف بدون استخدام العصا، وأن هذا هو أحد حقوق المعلم التي لا يجوز لقرار إداري مصادرته! مستندين على أن العرف والسلطة التشريعية تبيح له ذلك. في حين أن النصوص التشريعية في هذا المقام جاءت متعارضة، وهي قابلة للتغيير بما يتناسب مع الزمان والمصلحة العامة، وكذلك الأعراف ليست تشريعات سماوية بل بشرية تحتمل الخطأ وقابلة للتغيير والتطوير.

 الوجه الثاني لهذا الرأي من حيث المعنى هو القائل: أن ممارسة العنف على طلبة العلم مشروعة وذلك لأن العنف بأقسى أشكاله مورس علينا في مراحل الدراسة وفي المقابل لابد من استمرارية ممارسة العنف مع هذا الجيل! وربما هذا القول ينقض الحجج والمبررات القائلة: بضرورة استخدام العصا مع هذا الجيل للسيطرة عليه بسبب تخلف الأسر في الوقت الراهن عن دورها في التربية وإلقاء كامل الحمل على كاهل المعلم. فالضرب في الماضي أيضا كان موجود، فهل كان وجوده أيضا فقط بسبب تخلف الأسر في الماضي عن دورها في التربية؟ هل معلم اليوم الذي كان طالب علم بالأمس ضُرِبَ بالعصا لأن أسرته تخلت عن دورها في تربيته؟ هل فعلا هذا هو العامل الرئيسي لوجود ظاهرة الضرب في المدارس في الماضي والحاضر؟!

الوجه الأخير لهذا الرأي من حيث المعنى ذلك القائل: أن الجَلْد بالعصا يصنع الرجال ويخلق نماذج مبدعة ويرفع المستوى التحصيلي للطالب! في الحقيقة مثل هذا الكلام من الصعب جداً تحليله، فهو من التعقيد بحيث أنه بحاجة إلى متخصصين، وربما من المهم بل من الضروري تحليل مثل هذه الأفكار والبحث عن أسبابها، فمحزنٌ جداً أننا في هذا الزمن المتقدم، في حين أن مثل هذه الأفكار الجامدة، والتي هي في عرف العالم المتقدم توصف بالرجعية، لا تزال موجودة وبقوة! وللأسف الشديد أنها أينما حَلَّتْ عطَّلت حركة التنمية والتقدم، وأعاقت التطور الإنساني والإبداع.

(4)

ربما من الآراء المعارضة لقرار منع الضرب، والتي تستوجب أيضا التوقف عندها، هي تلك التي صدرت في الغالب من قبل مختصين في التربية والتعليم وهي القائلة: بأن تناول هذا الجانب الضيق غير منصف في حين أن هنالك عنف في المقابل يمارس بين الطلاب وعلى معلميهم. هذا الرأي يدفعنا لطرح السؤال الآتي: هل ممارسة العنف بين الطلاب وعلى معلميهم نتيجة أم سبب؟ وأيهما الأكثر جدوى: القضاء على الأسباب أم على النتائج؟ ربما لو أُجريت دراسة لفهم أسباب العنف التي يمارسها الطلبة فيما بينهم وعلى معلميهم لتبين أنها نتيجة لممارسة العنف عليهم سواء في محيط الأسرة أو المدرسة! إذ يصعب التصور بأن هذا العنف الذي قد يبدر من الطلبة هو سبب وليس نتيجة، لأن مراحل الدراسة في المدارس تنحصر في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وفي هاتين المرحلتين أغلب التصرفات تكون أما بسبب المحاكاة أو كردة فعل. الإنسان في هاتين المرحلتين يكون شديد التأثر بمن حوله، وبالتالي عدم ممارسة المعلمين للعنف سيحد من هذه الظواهر السلبية ويشجع الطلبة على السلوك الحسن. فالمعلم قدوة وهو الطرف الأقوى في محيط المدرسة من حيث التأثير والسلطة. فمنع المعلم من ممارسة العنف سيسهل ضبط هذه الحالات الفردية التي قد تبدر من الطلبة ومعرفة أسبابها وعلاجها. فالأساس إذاً هو توقف المدرسة عن ممارسة العنف، ومن ثم ستستطيع ممارسة دورها في مكافحة العنف بين الطلبة، الذي هو غالباً نتيجة لظروف خاصة تتطلب الدراسة والعلاج.

(5)

ومع ذلك، فبالرغم من تعميم قرار منع الضرب في المدارس إلا أن ممارسة الضرب مازالت مستمرة وبقوة. فقد تناولت مؤخراً إحدى القنوات الإذاعية حالات ضرب عنيفة على الطلبة موثقة بتقارير طبية، وما خفي كان أعظم! فهل قرار تعميم منع الضرب يخلي مسؤولية الوزارة من مكافحة هذا الجرم؟ فالقرار وحده للأسف أثبت عدم جدواه. وبات من الضروري عدم إهمال هذا الملف، وعدم الوقوف عند حد إصدار التعاميم، إذ لابد من اتخاذ إجراءات أخرى أكثر جدوى كالزيارات الميدانية، ودارسة المشكلة، وعمل إحصائيات، وإيجاد الحلول المناسبة لخلق بيئة تعليمية صحية.

استمرار هذا النوع من الممارسات في المدارس يكشف عن خلل كبير جداً. ولا أدعى الخبرة هنا ولا الاختصاص، ولكن يبدو من البديهي القول في هذا المقام بأنه عِوضاً عن زيادة عدد ساعات الحصص وزيادة عدد أيام الدراسة من أجل تحقيق المساواة بين المعلم وباقي المهن التابعة للخدمة المدنية، كان من الأولى العمل على تخفيض ساعات العمل وعدد أيام الدراسة، واستغلال الفترات الزمنية التي ستتاح لتوفير دوارات تدريبية تربوية ونفسية سنوية للمعلمين للتعامل مع الطلبة وتطوير مهاراتهم. الأمر الآخر هو أن معظم الدراسات العالمية تثبت أنه كلما قَلَتْ ساعات الدراسة كلما زاد مستوى الطالب التحصيلي. فلا مصلحة عامة حقيقية ترجى من قرار زيادة عدد الأيام والساعات الدراسية. وبالنسبة للطلبة يمكن القول كحقيقة أن التربية الوطنية ومحبة الوطن ليست بترديد الأناشيد والشعارات فحسب بل لابد من فتح أبواب جديدة لتعميق هذا الانتماء، فبدلاً من زيادة حصص التلقين التي أثبتت عدم جدواها في مختلف المجالات لابد من تخصيص فرص للطلبة للالتحاق بفصول دراسة ميدانية في نهاية كل عام دراسي في مختلف المجالات كالزراعة، الإبتكار، الاختراع، الفن، الرياضة، الموسيقى، اللغات، والتوعية والتأهيل، بحيث يبدع كلٌ في مجاله. هذه الفصول والأنشطة الميدانية ستشبع طاقات الطلبة الشعورية والعملية وتوجهها للنواحي الإيجابية بدلاً من كبتها وانفجارها كطاقات سلبية. فمثل هذا التطوير والرقي في مجال التعليم سيخلق جيل جديد يبني وطنه، ويتقدم به بحب وتفاني، ويتجاوز أزمنة الأزمات التي خُلقت بالممارسات الخاطئة، وهذا التوقف والتعقيد.

(6)

مهنة التعليم رسالة إنسانية سامية، وأمانة عظيمة، ومن المؤسف بل والخطير أن تتحول إلى مجرد وظيفة من أجل كسب الرزق، وأداة لممارسة التسلط والتعنيف وتصدير الأفكار السلبية العقيمة للأجيال.

الهوامش:

·         آرائي صواب تحتمل الخطأ والإضافة والتصويب يثريها.

·        حاولت هنا إثارة التفكير في الجانب الإنساني من القضية أما الجانب العلمي والقانوني فقد تناوله الكاتب بدر الراشدي في مقاله المتميز: ( مدارس بلا عنف ).

اضف تعليق