من التشرد إلى جامعة هارفارد

لم تولد خديجة وفي فمها ملعقة من فضة أو حتى من خشب؛ إذ قضت ربيع طفولتها تتردد من مكان لآخر بحثًا عن مأوى يظلها من قسوة الحياة. ارتادت خديجة في حياتها زهاء 12 مدرسة في 12 عاماً وفي تلك المدة لم تدع اليأس يتسلل إلى روحها الحالمة بغدٍ مشرق، فقد جعلت من الإيمان بنفسها مطية تسير  بها نحو طموحاتها،

واتخذت من التعليم سلمًا ترقى به إلى أعرق الجامعات في العالم؛ فانتشلت نفسها من براثن الفقر المدقع ودهاليز التشرد المخيفة. فحقيق لها أن تبث رسالتها للعالم، وتدرس قصتها للأجيال؛ ليعلم العالم أن التعليم وحده هو  من يبني الإنسان، ويحفظ له كرامته في المجتمع. السطور التالية خطتها أنامل خديجة لتسرد رحلتها من التشرد إلى جامعة هارفارد.

“لم أكن مستعدة لتلقي التعليم العالي ناهيك عن استعدادي عيش حياة بصفتها التقليدية؛ إذ أني بالكاد كنت أجِدُ حيزاً يأويني أُسْمِيْهِ بيتاً. فكأين من مرة أسأل نفسي لماذا يتوجبُّ عليَّ أن أناضل نضالاً كبيراً لأنجح؟ بينما بعضهم لا يلزمهم حتى سؤال أنفسهم ما إذا كانوا سيرتادون كلية أم لا!

 بيد أن هناك ثمة شيء واحد لم يخطر ببالي أن أتسائل عنه، ألا وهو التعليم. إن فصول حياتي والظروف التي مررت بها قد وهبتني مهارات حياتية شدت عضدي لأغدو ما أنا عليه اليوم، من تلميذة يملؤها الشغف والحماس وتحب العلم حبًا جمًّا.

لقد أمضيت معظم حياتي أتنقل بين أروقة المَآوي والملاجئ؛ الأمر الذي خلق فيَّ صفة المرونة والاعتماد على النفس وأكسبني القوة لأندفع تجاه تحقيق أحلامي. حينما يزاولني الجوع أعرف أين أطعم، وحينما يتسلل إليَّ الإحباط والضغط النفسي أعرف تمامًا أين ألجأ؛ لتخفيف من وطأتهما على روحي. لقد أوصدتُ الباب أمام البغايا اللواتي طفقن يحاولن استدراجي في سبيل الدعارة، كما ضربت إلحاح النفس الأمارة لتعاطي المخدرات عرض الحائط ولم تركن نفسي لها مطلقًا. تعلمتُ كيف أصرف القوادين الذين ما انفكوا يستفزونني بعباراتهم التي تتآكل بها إرادة أي إنسان: “أنتِ لستِ مقيدة في كلية ما، وإنما تعيشين بين الأزقة!”. ولا أنسى أنني قد عاهدت نفسي غير حانثة ألا يعترني أي خوف عندما أسير متوجهة إلى المنزل في وقت متأخر من الليل. كما تعلمتُ فن البقاء على قيد الحياة وما معي من المال شيء يذكر. فطبيعة الحياة التي جبرتني على كثرة التنقل، وعلى تجربة صنوف الابتلاءات، وخوض معترك الحياة بحلوها ومرها، علمتني كيف أتكيف مع تلون الدهر في عسره ويسره، وأن أمضي خلف تحقيق أهدافي التي لطالما كنت أرنو إلى تحقيقها،والأهم من ذلك كله تحقيق النجاح.

 حقيق أن يذكر، أن حياتي الصعبة قد أوقدت فيَّ شغف التعلم. فالركن الذي آوي إليه عندما يجثم على روحي وحش الإحباط هو المدرسة التي كانت أبوابها مفتوحة على مصراعيها بالمجان، فهو المكان المدهش الذي كان الباعث على حب التعلم والاستطلاع. بدأت أحب المدرسة إلا أن الرياح لم تجر كما اشتهيت، فالملجأ الذي كنت أرتاده وقتئذٍ لم يكن يوماً ملاذًا دائمًا وكذا الحال مع المدارس. لم يعلق بذهني – في فترة رياض الأطفال- سوى تعلمي الأبجدية، ثم أن سعادتي وسلوتي وجدتها في المدرسة، بيد أن الأمر لم يستمر على حاله، ففي الفترة التي وصلت فيها المرحلة الابتدائية أدركت – ساعتها- أن الحياة التي كنت أعيشها كانت تقف عائقًا أمام الشيء الوحيد الذي يستهويني، لكنني لم أسمح بحدوث ذلك. عندما كنت في الصف الثالث بالمرحلة الإبتدائية مثلت تلك الفترة منعطفًا خطيرًا وتحولاً كبيرًا شكلت المستقبل الماثل أمامي اليوم.

كنت آنذاك في التاسعة من عمري ومتخلفة عن المدرسة بمراحل؛ إذ لابد أن أكون في تلكم الفترة في الصف الرابع في المرحلة الإبتدائية لكن التنقل من مكان لآخر أخرنني عن الركب كثيرًا ذات يوم، اختلت بي معلمتي في بداية السنة الدراسية بالصف الثالث من المرحلة الإبتدائية فقالت لي: “آنستي الصغيرة يلزمكي تعلم جداول الضرب  جيدًا وإلا لن تستطيعي الانتقال إلى المرحلة التي بعدها!” فشعرتُ بالحزن ساعتها؛ إذ لا يمكنني أن أتخيل فكرة الرسوب في الصف الثالث؛ فخطر ببالي أن أذهب لارتياد المكتبة لمطالعة قصص المغامرات المقررة على الصف الرابع، وتجربة ألعاب الحاسوب، والمكوث في المكتبة كل يوم عقب انقضاء ساعات المدرسة. في العام ذاته، حققت 97 % في الرياضيات و94 % في اللغة الإنجليزية. خولتني نتائج الإمتحانات لأنال 99% في معدل العام للمقررات؛ وعلى إثر ذلك تم تصنيفي من قبيل الموهوبين. فما كنت لأسمح للتشرد أن يقف في سبيل رحلة التعليم، ورافقني هذا الإتجاه في التفكير إلى يومكم هذا.

بعد تلك اللحظة التي مررت بها في الصف الثالث أدركت أنه إذا أردتُ مواصلة تعليمي ينبغي عليَّ أن أعلم نفسي بنفسي و أن أقف وقفة حزم وعزم على ألا أتأخر عن الركب ثانية وأن أربي نفسي على التكيف مع ظروف الحياة الشاقة ومع نزوات التفكير التي لطالما كانت تعتريني لتقلق روحي وتشغل فكري بالمكان الذي سأمكث فيه. فكان هذا ديدني طوال فترة حياتي واتخذتهُ مطية لمواصلة السير بين العسر واليسر. تخطيت، بعد التجربة الفارقة التي مررت بها في الصف الثالث، مرحلتين متعاقبتين لأضع قدمي بعد فترة على عتبات المرحلة الثانوية إلا أنني واجهتُ مأزق آخر. حيث كنت في مؤخرة الركب بزهاء سنة بتمامها وكمالها، وأتذكر اللحظة التي كنا فيها أنا وأمي نتكفَّف دور الطعام لنجد ما نسد به رمقنا ونسأل المشردين أمثالنا عن مكان وجودها. وكان يدور في ذهني أنني لو أردت أن أتمتع بالذكاء وأمتطي صهوة النجاح يلزمني أن أتحدث إلى أناس يتمتعون بالذكاء ذاته؛ لذلك كنت لا أتعفف عن طرح الأسئلة ومواصلة التعلم لأحقق النتائج المرجوة لتسعفني على ارتياد إحدى كليات المجتمع المحلي لأدرس فيها، وفي الوقت الذي سجلت فيه قيدي لتلقي أولى دروسي طرأ أمر أجبرني على الانتقال مجددًا، وحمداً لله أنني قد تعلمت الصبر منذ فترة ليس بالقصيرة.

الاستعانة بالصبر مكنتني من البحث عن إحدى كليات المجتمع المحلي في المكان الذي اضطررتُ إلى النزوح إليه في لوس أنجلس. بعد ذلك، وجدت إحدى منظمات التعليم المجتمعي المعروفه باسم أبورد باوند (Upward Bound)، بيد أنني ساعتها كنت أفتقر إلى متطلبات الالتحاق ببرنامجها؛ إذ استلزم الأمر أن أرفق طلبي برسالتي توصية من جهتين اثنتين مشفوعًا بكشف درجات المرحلة المتوسطة، فضلاً عن، شرط الإنتظام في المدرسة حال تقديم الطلب. فشعرتُ بعدم استطاعتي أن أبدي لهم الهوة الموجودة في فصول رحلة التعليم التي خضتها. تجلى في ذهني ساعتها حديثًا جرى بيني وبين أحد القوادين الضالعين في الدعارة الذي كنت أحاول جاهدة أن أصرفه عن وجهي وأوصد الباب في وجه استدراجه المحموم وأضرب شر وسوسته الأنسية عرض الحائط، فخطر ببالي توخي الأسلوب المنطقي ذاته الذي يتخذه في الإقناع؛ لأقنع بدوري مؤسسة “أبورد باوند” في أنني جديرة بأن ألتحق ببرنامجها التعليمي. قلت لهم بالحرف: “حسناً، لقد تنقلت كثيرًا بين المدراس لأحظى بكشف الدرجات، إلا أنني قفزت من الصف الثامن إلى الصف العاشر فحققت معدل تراكمي 3.85 نقطة، ولدي رغبة كبيرة للالتحاق بالكلية، ومستعدة لدخول أي تحدٍ للوصول إلى هذا الهدف”. فسرعان ما انقشعت سحابة الأسلوب المنطقي لتشرق شمس قبول طلبي في “بورد باوند”.

في تلك الأثناء التي كنت ساعتها أملأ سطور تقديم طلب الإلتحاق بجامعة “هارفارد” و”وليامز وأمهرست” وهي الجامعات التي أطمح في ارتيادها، كنت ألهج، في تلك اللحظة، بكلمات الشكر والامتنان على ظروف الحياة التي مررت بها؛ إذ أن كوني مشردة بلا مأوى ولا ملجأ أكسبني المهارات التي أحتاجها للنجاح في سبيل مواصلة تعليمي العالي وتحقيق أهدافي في الحياة. كما أن التجارب التي مررت بها جعلت مني تلميذة نجيبة داخل أروقة الفصول الدراسية وخارجها. فما كنت لأدع أي شيء يعيق طريقي في تحقيق أهدافي، فبالرغم من السلبية التي كانت تشوب طبيعة الحياة التي أحياها والمتمثلة في التنقل من مكان لآخر بحثًا عن مأوى يستظل به إلا أن هذا الأمر بالذات ساعدني على التركيز في أهدافي والتحلي بروح التفائل والإيجابية في جميع حالاتي حتى وإن كانت خيبة الحظ العاثر حليفتي. تعلمتُ أن أكون واسعة الحيلة ومثابرة، ولا يخالجني أدنى شك بثقتي لو قلت بأن حافزي الداخلي هو أقوى باعث لي على أن لا يثني عزيمتي على تلقي العلم أي عائق. أعلم تمامًا أن ما اكتسبته طوال حياتي من معرفة وخبرة سيكونان هما الباعثان على أن يكون النجاح رفيق دربي في تحقيق ما أصبو إليه.

المصدر: ( اضغط هنا )

اضف تعليق