مونتيسوري… فلسفة تعليمية يحتاجها واقعنا

imageكانت تعمل كطبيبة في إحدى المستشفيات في إيطاليا حيث اعتنت بأطفال متأخرين عقليًا، تأملت حالهم، كان القائمون على رعايتهم يهتمون بهم ولكن لم يكونوا يمنحونهم الحب الكافي، ولاحظت أن الأطفال كانوا يحفرون التراب بأصابعهم؛ إذ لم تتوفر لديهم ألعاب تسليهم، ولأنهم كانوا أمرًا غامضًا بالنسبة لها. قررت البحث في كل مكان عن أي معلومة تمكنها من اكتشاف قدراتهم. آمنت أن الآلهة لم تخلق هؤلاء الأطفال عبثًا، ورغم كل الأفكار والفلسفات التي كانت تهمش المعاقين قررت “ماريا منتوسوري” أن تتجاهل هذه النظريات، بدأت تقرأ في علم النفس والإنسان واتبعت طرق الملاحظة العلمية؛ لتعرف كيف يمكن أن تستخرج قدرات هذه الفئة من الأطفال. وبدأت تستخدم أدوات من الطبيعة لصنع ألعاب يستخدمون فيها مختلف حواسهم ليتعلموا، والنتيجة كانت مبهرة.

حقق الأطفال المتأخرون عقليًا تحسنًّا كبيرًا مما أثبت أن لديهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم والاندماج في المجتمع إذا تم منحهم التعليم المناسب. وكان من المستغرب أن الأطفال العاديين في المدارس العامة لم يظهروا تحسنًّا كبيرًا في المستوى كما حدث للأطفال المتأخرين عقليًا الذين كانت “مونتيسوري” تعلمهم؛ فقادها حدسها إلى أن تطبيق طريقتها على الأطفال العاديين سيشكل نقلة نوعية في التعليم فأنشأت حضانة للأطفال أسمتها (بيت الطفل) طبقت فيها طريقتها والتي انتشرت لاحقًا في أرجاء العالم وعُرفت باسمها.

_MMB0087-2بَنَت “مونتيسوري” طريقتها على أساس إيمانها أن الطفل يملك قدرة داخلية تجعله معلمًّا لذاته، فتدفعه للملاحظة والاستكشاف والاستيعاب والتحليل المستمرة دون توجيه من أحد، فبالنسبة للطفل كل شيء في هذا العالم جديد وغريزته تدفعه إلى تعلم كل ما أمكن تعلمه ليستطيع التعايش مع المنظومة التي أصبح جزءًا منها ما إن قَدِم إلى هذه الحياة، وبما أن الطفل يمتلك ملكة التعلم الذاتي فهذا يجعل منه محورعملية التعليم والأساسي لها، وإذا ما توفرت البيئة الثرية بالمواد التعليمية التي يمكن أن يستكشفها الطفل فإنه سيكون قادرًا على التعلم بنفسه؛ وهذا ما جعل “منتوسوري” تؤمن أن أهم ركيزتين في التعليم هما: الطفل والبيئة.

وفي المجمل رأت “مونتيسوري” أن التعليم عملية مستمرة ينمو خلالها الطفل نتيجة لدوافع داخلية تقوم على تفاعل الطفل الاختياري في بيئة مجهزة لتعطي الطفل حرية التعبير عن نفسه، ومن هذا المنطلق تغير مفهوم المدرسة وما تقدمه للطفل وأصبحت المدرسة تعرف على أنها البيئة المجهزة التي يستطيع الطفل فيها النمو بحرية بالسرعة التي تناسب قدراته الشخصية، فالبيئة الصفية تكون مجهزة بالعديد من الأدوات والأنشطة التعليمية التي غالبًا ما تكون ذاتية التصحيح* والمرتبة على أرفف يستطيع الطفل الوصول إليها وإعادتها بنفسه دون الحاجة إلى مساعدة البالغين. الجدير بالذكر أن الأنشطة تكون مرتبة حسب المستوى، فإذا إجتاز الطفل النشاط الأول ينتقل إلى النشاط التالي الذي يكون أصعب من الأول بقليل؛ تساعد الأنشطة الطفل على تطوير حواسه وتفكيره واعتماديته على نفسه.

 untitledومع هذا لم تقلل “مونتيسوري” من دور المعلم إلا أنه لم يعد محور العملية التعليمية كما كان سابقًا، أصبح المعلم –في فلسفة منتوسوري- موجِهًا للطالب بطريقة لا تتعارض مع اهتمامات الطفل ورغباته، كما أن من واجبه الحرص على ملائمة الأدوات الموجودة في الصف لاحتياجات الطفل، فمجموعة الأطفال في الصف الواحد لديهم احتياجات واهتمامات ومستويات مختلفة، والتنوع في الأدوات يجب أن يغطي نطاق جميع مستويات الأطفال الموجودة في الصف. ولأنه من المهم معرفة وتقييم تحسن مستويات الأطفال، فإن على المعلم القيام بالملاحظة والتقييم والاحتفاظ ببعض أعمال الأطفال التي تشير إلى التحسن الذي حققه الطفل خلال دراسته. ولا ننسى ذكر أن المعلم مصدر الحب والحنان في المدرسة وعليه توفير الأمان للأطفال.

إن الفكر الذي جاءت به “مونتيسوري” يحترم كيان الطفل ورغباته، وفي الوقت ذاته فاقت فاعليته طرق التعليم التقليدية، ولهذا يجب استبدال طرق التعليم التقليدية بما جاءت به “مونتيسوري”، أو بما جاء به تربويون آخرون تبنوا أفكارًا مشابهة، فما يحتاجه أطفالنا هو مدارس فعالة يقصدونها كل صباح والابتسامة بادية على وجوههم.

         

         

اضف تعليق